Home قصص وعبر نهاية الشبح … قصة قصيرة و عبرة كبيرة

نهاية الشبح … قصة قصيرة و عبرة كبيرة

2 second read
0
0
491
نهاية الشبح ... قصة قصيرة و عبرة كبيرة

نهاية الشبح … قصة قصيرة و عبرة كبيرة …

 

نهاية الشبح :

 

المليونير الكبير الذي يموت . . جمع حوله أولاده الأربعة و راح يُملي على أكبرهم وصيته الأخيرة التي سينسخ بها جميع وصاياه السابقة .
إنه يُملي بصوت متهدج ، و الأولاد قد فتحوا أفواههم من الدهشة و كأنما يستمعون إلى شخص آخر غير أبيهم الذي عرفوه .
قال الرجل في صوت مهدم :
_ هناك مليون دولار ستوزع عليكم بالتساوي أما السبعة ملايين دولار الباقية ، فوصيتي أن تُبنَى بها مدارس و مستشفيات و ملاجيء و دار مسنين و معهد لتعليم الحِرَف . و على الأخ الأكبر إنشاء هذه المؤسسات الخيرية و إدارتها و رعايتها لتكون صدقة جارية ينتفع بها اليتيم و المريض و المحتاج .
و ارتفع صوت الإبن الصغير معترضاً :
_ و لكن يا أبي لا أحد منا له خبرة بهذه الأشياء .
و استمر الأب يُملي بصوته المتهدج :
_ و الإثنين مليون دولار في الخزينة .. يبنى بها مسجد و مستوصف و مقرأه للقرآن .
و تلفت الأبناء كل واحد يتصفح وجه الآخر في استغراب !
و عاد صوت الإبن الأصغر ليعترض :
_ليس هذا ما تعلمنا منك خلال حياتنا معك .. لقد ربيتنا على أعمال أخرى .. و الآن تفاجئنا بدور جديد لا نستطيع أن نقوم به . أنت في حياتك لم تدخل مسجداً و لم تصل ركعة و لم تفتح مصحفاً .. و لم تعط مليماً لمحتاج .. و لم تحدثنا حرفاً واحداً عن الدين أو الخير .. و كل ما تعلمناه منك هو كيف نستلم البضاعة من قبرص و ندخل بها مُهرَّبة إلى مصر .. و كيف نوزعها على الأعوان .. و كيف نقود اللنشات السريعة و عربات النقل و المقطورات و الهليكوبتر ، و كيف نستعمل البنادق السريعة الطلقات و القنابل اليدوية و مدافع الهاون عند اللزوم .. و كيف نحول المائة جنيه إلى مليون و لو قتلنا في سبيل ذلك كل رجال خفر السواحل .. علمتنا ألا نخاف أي شيء و ألا نعبأ بحاكم و لا بمحكوم و لا بحكومة .. و أن كل الذمم يمكن شراؤها و أن الذمة التي لا تقبل المائة سوف تقبل الألف ، و التي لا تقبل الألف سوف تقبل المليون .. و أنه لا يوجد كبير يتكبر على المال .. و أن كل الناس حشرات يمكن اصطيادها بالعسل .. و من لا يقع في العسل يقع في السم .. و أن العالم غابة لا أمان فيها .. و أن الشعار الوحيد الذي يصلح للتعامل في هذه الغابة .. هو .. أُقتُل قبل أن تُقْتَل .
هذا ما علمتنا إياه و لا نرى جديداً قد جد حتى تقول لنا كلاماً آخر .

_ الجديد أني أموت .. أنا أبوكم يموت .. و غداً أصبح رمة يأكلها الدود . تراباً لا يختلف كثيراً عن التراب الذي تطؤونه بنعالكم .
_ هذا ليس أمراً جديداً عليك . فقد كنت ترى الموت حولك كل يوم يختطف أعوانك .. واحداً بعد آخر .. و كنت تمشي بنفسك في جنازاتهم ، و كنت أحياناً تقتلهم . أنت الذي كنت تقتلهم بيدك .. أو تصدر الأمر بقتلهم بنفس اللسان الذي يملي علينا الآن هذا الكلام عن بناء المساجد و الملاجيء و دور الأيتام و المقاريء .
_ لأن هذه المرة أنا الذي أموت .. أنا الذي دوَّخ أجهزة الأمن في مصر والشام والعراق و تونس و الجزائر و إيطاليا وألمانيا واليونان .. أنا الشبح الذي لم يكن أحد يستطيع أن يضع يده عليه .. أنا اليوم معتقل بالشلل والعمى وبكرسي لا أستطيع أن أبارحه .. وأنا أنزف الدم من أمعائي وأموت ببطء .. و أصحو و أعود إلى الغيبوبة .
و الدقائق التي تبقت لي قليلة معدودة . لقد كنت أصنع الموت للألوف .. هذا صحيح ,
ولكن رؤية الموت تختلف كثيراً عن تذوقه ..
الفارق كبير .. وأنا لا أريدكم أن تذوقوه كما أذوقه .. لابد أن يتغير كل شيء .. لقد أخطأت يا أولادي .. أخطأت بفظاعة ربما اكتشفت خطي بعد فوات الأوان .. ولكن هذا لا يغير شيئاً من النهاية .. إن الخطأ هو الخطأ .. اسمعوا .. هذه الوصية الجديدة هي التي يجب أن تنفَّذ .. هذا أمر .

و حاول أن يخرِج الطبنجة من جيبه . فلم يستطع .. وطلب من ابنه الكبير أن يناوله الطبنجة.
مد الإبن الكبير يده في جيب أبيه وأخرج الطبنجة وناولها له .. فأمسكها الأب في إعزاز و راح يلوح بها وأصابعه على الزناد ، ثم ناولها لإبنه الكبير قائلاً :
_ من يخالف هذه الوصية أطلق عليه النار ولو كان أخاك .. هذا آخر أمر .. هذا آخر أمر لي في هذه الدنيا .. اقتل ,اقتل .. بلا تردد أي إرادة تقف في سبيل هذه الوصية .. هذه الأموال في البنوك وفي الخزائن ليست ملكي لترثوها .. إنها سرقات .. لا تكفير لها إلا أن تبني كما هدمت وتصنع من الحياة بقدر ما أعدمت .

_ والعمارات !
قالها الإبن الأصغر بصوت مرتجف .
_ تباع في مزادات ويصنع بثمنها نفس الشيء
_ وكازينو القمار .. وأوبرج ميلانو .. وشركات بيع السلاح في لندن .. وشقة باريس وفيللا جنيف .. وشاليهات فلوريدا .
_ تباع كلها . لا نصيب لأحد فيها .. ولا يد لأحد عليها .. ولا تؤول لأحد منكم .. إنها ملكي وحدي وأنا وهبتها لنفس الأغراض .. وثمنها يكفي لإنشاء جامعة .
_ ونحن ماذا يبقى لنا وكيف نعيش ؟!
_ إن المليون دولار التي ستقسمونها بينكم . تساوي أربعة ملايين جنيه مصري .. أي مليون جنيه مصري لكل واحد فيكم .. وهي بداية تكفي لأن يبدأ كل منكم حياة شريفة ..!

وبدت كلمة الشرف غريبة وهي تخرج من فم ” الضبع ” صاحب أكبر عصابة مخدرات في الشرق الأوسط ، وبدا لها رنين غريب في جو الصمت والرهبة مما جعل كل ابن يتلفت في وجه أخيه ويقلب شفتيه ، في انتظار معجزة .
وكانت المفاجأة مرعبة .. فقد سحب الضبع الطبنجة من يد الإبن الكبير ولوح بها في وجوههم وأطلق الرصاص في الهواء .. وفي كل اتجاه .. مما جعلهم يتقافزون في رعب ويلتصقون بالجدران بينما تهدج صوت الرجُل وهو ينطق :
_ هذا آخر أمر .. آخر أمر لي قبل أن أموت ولابد أن ينفذ .
واختنق صوته وانطلق يلهث .
ثم سكن فجأة وسقط رأسه على صدره ولفظ آخر أنفاسه في صمت .

أطبقت لحظة ثلجية من الذهول والرعب على الجميع .. لا حركة .. ولا صوت .. ولا شيء سوى أنفاس مرتجفة ونبضات مضطربة ونظرات زائغة ، ثم بدأ الإبن الأصغر يتحرك ويسعل و يلوح بيديه في الهواء و لا يجد كلاماً …
ثم ما لبث أن جمع أشتات نفسه ثم انفجر قائلاً :
_ لقد فعل كل شيء ، لم يترك جريمة لم يرتكبها ، لم يدع لذة لم ينتهبها ، لم يدع امرأة لم يغتصبها ، لم يدع شراً لم يقارفه ، لم يدع رذيلة لم يلهث خلفها .. و الآن وفي آخر لحظة حينما فقد القوة على عمل أي شيء ، وحينما فقد الأمل في أي متعة وفقد القدرة على أي لذة .. الآن فقط يقرر أن يبعثر كل أمواله ويحرمنا منها لأنه أصبح ولياً من أولياء الله شغله الشاغل بناء المساجد ومقارئ القرآن والملاجئ وبيوت الأيتام ، شيء غير مفهوم .

_ الدكتور الذي كشف عليه بالأمس قال أنه قد أصابه ضمور في المخ .
_ هي أعراض هذيان بلا شك .
_ إنه يخرج من غيبوبة ليعود إلى غيبوبة . ولا يمكن أن يؤخذ كلامه مأخذ الجد .

قال الإبن الكبير في هدوء مريب :
_ ولماذا لا يؤخذ كلامه على أنه توبة حقيقية ؟!
فأجاب الإبن الأصغر في عصبية :
_ توبة رجل مشلول فقد القدرة على كل شيء .. لا يمكن أن تكون توبة حقيقية .
قال الإبن الأوسط مؤيداً :
_ فعلاً . التوبة عن الذنب لا تكون مفهومة إلا من رجل قادر على الذنب .. فهو يقلع عن ذنبه بإرادته واختياره .. أما فاقد الإرادة وفاقد الاختيار وفاقد القدرة .. فهو كذاب إذا ادعى فضيلة .. و إذا ادعى توبة .

قال الإبن الكبير بنفس النبرة الهادئة :
_ التوبة مسألة نية . ولا يحكم على صدق النيات إلا الله .. وليس من حقنا أن نكذب الرجل فلا أحد منا يطلع على قلبه .
_ إن قلبه بلون القطران . حياته كلها تقول هذا
قال الإبن الأصغر :
_ إن حالته مثل حالة رجل تاب عن نزول البحر حينما فقد القدرة على السباحة
فأجاب الإبن الأكبر :
_ لا يمكن أن تتهمه بالكذب إلا إذا استعاد قدرته على السباحة ولم ينفذ وعده .. ونفس الشيء .. لا يمكن أن نتهم أبانا بالكذب إلا إذا استعاد حياته واستعاد صحته .. ثم عاود جرائمه .. ولم ينفذ وعده .. وهو مالا سبيل إلى معرفته .
_ ماذا تعني ؟
_ أعني أن الوصية واجبة .. ولا سبيل إلى الطعن عليها .. وسوف أحرص على تنفيذها : و أخرج طبنجته و وضعها على المائدة مُردِفاً :
_ و على من يقف في وجه إرادة الميت .. أن يستعد ليلحق به .

و قفز الإبن الأصغر مرتاعاً وهو يردد في دهشة :
_ هل جننت .. هل فقدت عقلك .. هل صدقت هذا المعتوه ؟!
وخرجت من الأخوين الآخرين تمتمات مرتعشة :
_ هل نحرم أنفسنا من مائة مليون جنيه لمجرد نزوة توبة خرجت من دماغ مشلول .
ونظر إليه الإبن الأكبر نظرة ثلجية و أجاب في بطء ثقيل :
_ و منذ متى كنا نلجأ إلى القضاء أو نحتكم إلى القانون أو نأخذ برأي العدل .
_ لم تعد هناك وصية .. انتهى كل شيء .

فأردف الإبن الأكبر في نبرة كرنين الفولاذ :
_ أنا الوصية .. وأنا القانون .. وأنا العدل .
و فجأة وفي حركة غير محسوبة ، أخرج الإبن الأصغر مسدسه وأطلق رصاصة على أخيه الأكبر أصابت كتفه . وجاء الرد فورياً من الطبنجة في يد الأخ الأكبر سيلاً من الطلقات .. و انبطح الأخوة أرضاً يتبادلون الرصاص .
و أسفرت المذبحة عن ثلاثة قتلى و أفلت الأخ الأصغر من الموت .. ليسرع الخطى إلى الخزينة .. وإلى مخاب الدولارات في الجدران .. يفرغ كل شيء في حقيبة كبيرة وليقفز بها إلى عربته المرسيدس وليدوس على البنزين بأقصى سرعة وقد بسط أمامه خريطة كبيرة .. و راح ينظر فيها .. باحثاً عن خط سير مأمون إلى الصحراء الليبية عبر الحدود .. كانت ليبيا بعد فتح الحدود و إزالة الجمارك هي أكثر الأهداف أمناً .
ولم يتردد .
و أطلق لسيارته العنان وقد راوده الشعور بالأمن لأول مرة بعد ليلة عاصفة .. لم يكن يفكر في أي شيء .. ولم يكن نادماً على أي شيء .
كان يشعر بنفسه فقط .
و هكذا عاش دائماً لا يفكر إلا في نفسه وفي لحظته .
و كان يؤمن بالحكمة التي علمها له أبوه .. أن كل الناس حشرات يمكن إصطيادها بالعسل . و من لا يقع منها في العسل يقع في السم .
و لم يحدث أن شعر مرة واحده بروابط العائلة أو صلة الدم .. و ما كان أبوه واخوته إلا مجرد وسائل للثراء السريع وجمع الدولارات .. مجرد أعضاء عصابة يجتمعون وينفضون على خطط القتل و الإجرام .. ويعود كل واحد آخر الليل إلى بيته لينام بلا ذرة ندم .

الشمس تغرب وساعات أخرى بطيئة ثقيلة ومؤشر البنزين يقترب من الصفر و اللمبة الحمراء تضيء .
الخريطة تقول أن ما تبقى لبلوغ الحدود قليل ، ربما عشرة كيلومترات .. فإنه يستطيع أن يحمل حقيبته ويمشي الباقي على قدميه .. و ساعات أخرى قلقة متوترة .
و تتوقف العربة كخنزير أسود في صحراء حالكة الظلمة .
و يحمل حقيبته وينزل .. ليمشي وقد وضع الخريطة في جيبه .
ساعة أخرى .. ساعتان .. ثلاث ساعات .. وتتهاوى ساقاه ويتكوم فينام على تل من الرمال الناعمة .. فاقد الوعي تماماً .
و ما تكاد تمر دقائق حتى ينتفض من لدغة تلسعه كالنار .
بطرف عينيه يرى ثعبان الطريشة يعود أدراجه ليغوص في الرمل بعد أن فعل فعلته .
إنه يعلم ماذا ستفعل به لدغة الطريشة من ثعبان بهذا الحجم الذي رآه .
لا أمل إنتهى كل شيء .

زحف على بطنه ليفتح الحقيبة ويلقي نظرة أخيرة على ملايين الدولارات المكدسة . و بدأ السم يسري في دمه ليصل إلى مركز التنفس ويصيب عضلات التنفس بالشلل .
وبدأ صوته يتحشرج ويحتضر ويسلم الروح .
و هبت دوامة عاتية من الرمال بعثرت محتويات الحقيبة لتنتشر على مساحة شاسعة من الصحراء و تبعثر أكوام الدولارات إلى هباء .. أمام عينين تخمدان .
و مات آخر أبناء عائلة الضبع .
و عرف أخـيراً الفرق بيـن .. رؤيـــة المـــوت و بيـن تـذوقــه !
و كـم كـان الفــارق كبيـــراً …

 

د. مصطفى محمود
“نهاية الشبح من كتاب / الذين ضحكوا حتى البكاء .”

 

*******

الموضوع : نهاية الشبح / نهاية الشبح / نهاية الشبح / نهاية الشبح / نهاية الشبح / نهاية الشبح /
اقرأ ايضا : لغز الموت .

Load More Related Articles
Load More By Imane
Load More In قصص وعبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Check Also

لم يلد و لم يولد .. ” حوار مع صديقي الملحد “

لم يلد و لم يولد .. صديقي رجل يحب الجدل و يهوى الكلام .. و هو يعتقد أننا – نحن المؤمنين ال…